غاب نجمي، الجملة تبدو بسيطة، لكنها تلتهمني، ليس لأنني كنت أعيش على ضوئه، بل لأن غيابه كشف لي أنني كنت أوهم نفسي بوجود شيء يقودني أصلًا.
النجم لم يكن يومًا لي، كان في السماء بعيدًا، صامتًا، ومع ذلك كنت أحمّله ما لا يحتمل من معنى، إشارة، عزاء.
وحين غاب لم يتغير شيء في السماء، تغير فقط شيء في داخلي.
أنا الذي كنت أعتقد أن النجوم تهدينا الطريق، الحقيقة أن الطريق لا يحتاج إلى نجوم لأن النهاية واحدة،الطريق لا يقود إلا إلى العدم.
وما النجم سوى حيلة صغيرة للإنسان كي يواصل المسير وهو يظن أن هناك جدوى.
غاب نجمي فغابت الحيلة، وبقي الطريق عاريًا كما هو ممتد نحو لا شيء.
ليست المشكلة أن النجم غاب.
المشكلة أنني ما زلت أرفع رأسي كل ليلة، كالبلهاء، أبحث عنه، كأنني لم أتعلم شيئًا من غيابه، وكأن الأمل مرض لا شفاء منه.
أعرف أن السماء لا تعطي أجوبة، ومع ذلك أحدّق فيها كمن ينتظر ردًا من فراغ.
ربما نحن لا نحتاج إلى النجوم بقدر ما نحتاج إلى وهمها.
النجم ليس سِوى مرآة نرى فيها رغبتنا في البقاء، وعندما يغيب، لا يغيب النجم وحده بل يغيب معه جزء من إرادتنا في الاحتمال.
غاب نجمي، فأصبحت الليالي كلها متشابهة، الليل حين يفقد ضوءه لا يعود ليلًا، بل يتحول إلى جدار أسود بلا نهاية، وفي مواجهة هذا الجدار، أشعر أنني مجرد نقطة صغيرة بلا جدوى، نقطة تبحث عن معنى في كون لا يعرف المعنى.
أنا لست غاضبةً من النجم لأنه غاب، النجم لا يَعِد أحدًا بالبقاء، أنا غاضبة من نفسي لأني اعتقدت أنه سيبقى.
نحن البشر نصنع أوهامًا ونسميها “نجومًا”، نحمّلها ما نعجز عن تحمله، ثم حين تنطفئ أو تغيب، ننهار، وكأننا لم نكن نعرف منذ البداية أن كل شيء فانٍ.
الآن، وأنا أكتب “غاب نجمي”، أدرك أن النجوم كلها ستغيب في النهاية، هذا الكون نفسه سيبرد وينطفئ كما تنطفئ جمرة في يد طفل، وما نحن إلا شظايا زمن قصيرة، نبحث عن عزاء في أضواء بعيدة لا تعني لنا شيئًا، العبث ليس في غياب النجم، العبث أنني أظل أبحث عنه.
غاب نجمي، ولم يتغير شيء، الشمس ستشرق، الناس سيواصلون حياتهم، العالم لن يلتفت، الغياب حدث داخلي، شأن شخصي، وهذا هو أكثر ما يُرعب، أن خسارتك العظمى لا يهتم بها الكون، أن وجعك يخصك وحدك، وأنك في النهاية مجرد فرد يعاني صمته الخاص وسط ضوضاء كبرى لا تسمعك.
لذلك، حين أقول “غاب نجمي”، فأنا لا أبكي نجمًا، بل أبكي وهمًا، أبكي نفسي التي علّقت حياتها على ضوء بعيد.
لقد غاب نجمي، نعم… لكن الحقيقة الأشد قسوة أنني أنا الذي غبت معه.



كلنا قد غابت عنا نجومًا في يوما مضى ، هي ترحل لأن وقت اختفائها من السماء قد حان ، لتظهر أخرى في الوقت الذي يحين لها ذلك ؛ كل النجوم تظهر و تختفي في الوقت المثالي و المناسب و المقدّر لها أن تتلاشى فيه عن سمائنا تماما ، كوني عن يقين ربما نجمك مخفي فقط ليُعيد الظّهور في سمائك يوما ما و ربما اختفى تماما ليُتيح الفرصة لنجم أسطع منه أن يضيء ليلكِ عزيزتي ؛ فالكون مليء بالنجوم و ليلَكِ العاتم سوف يُضاء مجددا ✨️
حتى أنا ودعني نجمي ذات يوم.