أسطورة من بحرٍ لا يعرف اليابسة.
كان الليل فوق البحر لا يشبه الليل فوق اليابسة، أكثر زرقة… أكثر وحدة، وفي منتصف هذا السكون الأزرق حيث يتكسّر ضوء القمر كأنّه ندم، كانت هناك مملكة تحت الماء.
مدينة شفّافة، معلّقة بين الضوء والظلال، لا يسكنها إلا أولئك الذين ماتوا ولم يُدفنوا، أرواحٌ لا يقبلها التراب، ولا يستوعبها الهواء، فاحتضنهم البحر، وصنع لهم عالَماً، لا يُشبه شيئًا مما نعرف.
وكانت أميرة تلك المملكة تُدعى "إيلّا"، لم تكن من تراب ولا من طين، بل من نبضٍ نُسيَ في رحمِ السماء، وجهها لا يُشبه سائر الوجوه، بل يُشبه الهدوء الذي يسبق الانفجار، صوتها لا يُسمع، لكنه يُشعر، وكل من نظر إلى عينيها، رأى فيها لحظته الأخيرة.
كانت إيلّا تملك هبة لا يمتلكها غيرها، القدرة على سرقة أنفاس البشر في اللحظة التي يحتضرون فيها ثم إعادتها لمن يستحق الحياة، ولذا، كانت تُلقَّب بين المخلوقات البحرية بسارقة النفَس، ليست شيطانة، ولا ملاكًا، بل كائنٌ وُلد من عتمة الليل.
في ليلةٍ لا قمر فيها، تسلل رجلٌ من اليابسة إلى البحر،
باحثًا عن خلاصٍ من ذنبٍ قديم، غاص عميقًا حتى كاد صدره ينفجر، فوجدها…
جالسة على صخرة من زجاج الحنين، شعرها يطفو كالدخان، وعيناها ساكنتان كما لو أن الزمن لا يُلامسهما.
قال لها، وهو يلفظ آخر أنفاسه:“إمنحيني حياةً جديدة… لا تُشبه الأولى.”
فابتسمت…وقبّلته على صدره، فخرجت منه روحه،وغاصت في جسده حياةٌ ليست له.
منذ ذلك اليوم، بدأت قصصها تطفو إلى اليابسة، يقول المسعفون إنهم أحيانًا، حين يضغطون على صدر دمية التدريب، يشعرون كأن شيئًا يضغط على قلوبهم، ويرى البعض، عند طرف عيونهم، خيال فتاة تجلس على كرسي الماء،تنظر بصمت،وتراقب من يستحق النفَس… ومن لا.
ويُقال إن كل مَن يُتقن الإنعاش القلبي الرئوي،قد لامس روحها دون أن يدري.
هي لا تُنقذ الجميع، بل تُنقذ أولئك الذين ماتوا قبل أن يموتوا… وتترك الآخرين لِملح الحياة.
إنها إيلّا
ابنة الموجة الأولى وسيدة النبضة الأخيرة.



ما أروع كتاباتك❣️