كان المساء أبكم، لا ريح، لا حركة، حتى قلبي خفت صوته.
تسللتُ إلى غرفتي كما تفعل الأشباح وأغلقت الباب على نفسي كأنني أُغلق تابوتًا على بقاياي.
جلستُ أمام النافذة لا لأتأمل القمر بل لأراقب العتمة التي لم يعد فيها ما يُدهشني.
أردتُ أن أكتب، لا شيء محدد فقط أن أكتب.
أن أقول شيئًا لا أعلم معناه بعد، أن أنزع هذه الكتلة التي تتخمر في صدري منذ أيام، أن أتحرر من نفسي.
لكني لم أكتب.
ضغطتُ زرّ التشغيل، وبدأت السوناتا… بيتهوفن… ضوء القمر.
ذلك الاسم الخادع الذي يوحي بالرقة، بينما هو في الحقيقة كفنٌ موسيقي من حرير، يُلفّ حول عنقك ببطء.
من أول نغمة شعرت أنني دخلت جنازة لا أعرف مَن الميت فيها
….ربما أنا
ربما شيءٌ فيّ لم أعرفه ومات الآن.
أغمضتُ عينيّ.
وانهار العالم بداخلي .
عزف بيتهوفن لم يطمئنني…
لقد مزّق الستائر التي أخفيتُ بها مخاوفي واقتادني إلى نفسي كما يقتاد الجلاد المذنب.
كل نغمة كانت سؤالًا لا أملك له جوابًا
من أنا؟
ولماذا أشعر أنني على قيد الحياة بالكاد؟
هل يعرف أحدهم أني أحمل مقبرة كاملة في داخلي؟
وأنني أبتسم فقط لأقنعهم أنني لا أنزف؟
في المنتصف شعرت أن الموسيقى لم تعد تخرج من السماعات…
بل من داخلي.
كأن قلبي هو من يعزف
كأن حزني وجد أخيرًا لغة ليصرخ بها ولم تكن الكلمات كافية.
ضوء القمر؟
لا… هذه ليست ضوءًا
هذه ظلال القمر
وهذا أنا ظلٌ لشخصٍ لم يكتمل يومًا.
عندما انتهت السوناتا، لم أتحرك.
لم أُصفّق، لم أُعيدها، لم أفتح عينيّ.
كنت قد وصلت إلى مكان داخلي لم أعرفه من قبل، مكان لا تُشعل فيه الأنوار، ولا يَطرق فيه أحد الباب، مكان أعيش فيه وحدي.
ظللتُ ساكنًا كجسدٍ بُحَّت فيه الأرواح ولا يزالُ يتنفّس فقط لأن الهواء لا يعرف متى يتوقّف.
كأن بيتهوفن في لحظةٍ ما لم يعزف لأجلي فقط، بل عزفني أنا.
كل وترٍ كان ضلعًا من ضلوعي، وكل ارتجافة في المقطوعة، كانت صدىً لرجفةٍ في قلبي، حتى أحسستُ أنني لو اقتربتُ أكثر…
لذُبت، لتحولتُ إلى لحنٍ لا يُعزف إلا بكاءً.
لم يكن الليل ساكنًا كان ينتظرني أن أنكسر وكان مستعدًا ليحتضن أشلائي… أو يبتلعها.
كل شيءٍ كان مظلمًا، لكنني كنتُ أرى، أرى ما لا يجب أن يُرى.
ذلك الحزن المتجذر فيّ، تلك المشاهد القديمة التي ظننت أني دفنتها، تلك الأسماء التي مرّت في حياتي كأنها عواصف،
تركتني أكثر هشاشة من قبل.
تساءلتُ بصوتٍ لم يسمعه أحد…
هل الألم دائمًا بهذا الجمال؟
هل كانت كل هذه السنوات مجرد مقدّمة للسوناتا الحقيقية؟
أم أنني أعيش السوناتا منذ خُلقت؟
أموتُ في كل حركة، وأُبعثُ في الصمت الذي يليها.
يا بيتهوفن، يا ضريرًا رأى أكثر منّا
كيف استطعت أن تعبر هذا الليل وحدك؟
وأنا بكل عيوني لا أرى سِوى العدم.
أعدتُ المقطوعة، لكنني لم أعد كما كنت.
كنت أقلّ إنسانًا وأكثر شعورًا.



لم أستطع أن أحتمل فبدأت أشغل موسيقى بيتهوفين لأتمكن من قراءة كتابتك بالطريقة الصحيحة أشكرك لأنك جعلت الثامن عشر من تموز يوماً مميزاً بالنسبة لي وإن هذه اول مره اسمع فيها لهذه الموسيقى والأجمل أني سمعتها مصاحبة لكلماتك الرائعة إنها تجربة فريدة لا تُنسى.