في زمنٍ باتت فيه المظاهر مرآةً يُحكم بها على الجوهر، أصبح الإنسان يميل إلى استنساخ ما يراه في غيره دون تمحيص، وكأنّ الأصالة عبءٌ لا يُحتمل، وكأنّ الفردانية عارٌ يستحق التجاوز.
بات من السهل أن نُفتن بما نراه في غيرنا…
نرى شخصًا يعجب بلباسٍ فيستعيره، لا لأنه يشبهه، بل لأنه ظنّ أن في تقليده ارتقاء، أو نرى آخر يُغيّر من سلوكه وشخصيته ومشيته فقط لأنه رأى مَن نال القبول بذلك، غافلًا عن حقيقةٍ بالغة الأهمية…أن ما يُناسب غيرك قد لا يليق بك، وأن الانبهار لا يعني التوافق، وأن الجمال في الآخر ليس دعوة لنسخه، بل ربما يكون تذكيرًا لك بأن تبحث في ذاتك عن جمالك الخاص.
إن تقليد الآخرين دون وعي هو أشبه ما يكون بارتداء ثوبٍ فارهٍ لا يخصّك، قد يبهرك منظره للوهلة الأولى، لكنّه ما إن يستقرّ على جسدك حتى تبدأ بالتململ، لأنّك تشعر دون أن تُدرك أنّك غريب عنه، وأنّه لا يُشبهك.
ليس من الخطأ أن يُعجب الإنسان بغيره، لكن الخطأ أن يفقد ذاته في سعيه لتقليد ما أعجبه، ليس كل ما يلمع في غيرك قد وُلد ليكون فيك، فربّ مَن تودّ أن تكونه، يتمنى لو امتلك ما تتجاهله أنت في نفسك.
فلنُعد النظر في هذا السلوك، ولنُدرك أن أجمل ما في الإنسان أن يكون مرآةً لنفسه لا ظلًّا لغيره. لننظر إلى داخلنا، إلى تلك الذات القديمة التي مرّت بالخذلان، والنضج، والانكسار، وقامت، وتجلّت، وتطوّرت… لنعرف من نحن.
إننا لا نكبر حين نُحاكي الآخرين، بل حين نُحسن الإنصات لما نحن عليه.
ربما نجد في داخلنا ملامح جميلة، نسيْنا أن نُحبّها لأننا كُنّا مشغولين بالنظر للخارج كثيرًا.


