أحيانًا، أشعر أنني أعيش في متاهة لا مدخل لها ولا مخرج، متاهة تتكاثر جدرانها كلما حاولت أن أخطو خطوة نحو الضوء.
إنّ الضياع في مطلع العمر ليس تيهًا عابرًا، بل لعنة مُقيمة، تسكن العظم وتُقيم في الروح كما يقيم العفن في قلب الخشب.
ولست أدري أهو عقاب أنني وُلدت في زمن لم يسألني أحد عن رغبتي في أن أولد فيه؟
أم أنّه قدر أن تتفتح زهرتي في ربيعٍ لم ينبت إلا الأشواك؟
إنني أشعر أحيانًا أنّني محبوس في ذاتي.
كما يُحبس سجين في زنزانة ضيقة بلا نافذة.
أتنفّس، نعم، لكنني أختنق من داخلي.
أرى العالم من بعيد، وأعرف أنّ لديّ القدرة على أن أكون أكثر من هذا الكائن الضعيف الذي أنا عليه، لكنّ شيئًا في داخلي، شيطانًا أو لعنة، يقيدني بأغلال لا تُرى.
فأنا أملك الإمكانات، أملك الذكاء، أملك الشرارة التي يمكنها أن تشعل جبالًا، لكن يدي ترتعش، وقلبي يتلكأ، وروحي تظلّ عالقة عند حافة هاويتها، غير قادرة على الوثوب ولا على التراجع.
هل تعرف كيف يكون الإحساس حين يكون داخلك صراع أشبه بافتراس؟
نصفك يصرخ…انهض، اصنع، اخلق، حارب، قاوم!
والنصف الآخر يتمدد على الأرض كجثة، يهمس ببرود، لا جدوى، لا شيء يستحق، لن تصل إلى شيء، كل ما تحاوله سيُهدم.
إنّها حرب لا يسمعها أحد غيرك، حرب لا تنزف دمًا، لكنها تُنبت كدمات سوداء في قلبك، وتتركك وحيدًا في ساحةٍ خاوية، كأنك آخر الناجين من مجزرة لم تحدث إلا داخلك.
في مثل هذا العمر، كان يُفترض بي أن أكون مشرقةً كالزهور، مشعّةً كالفجر، طافحةً بالحياة كما الأنهار التي تجري نحو البحر.
لكنني، على العكس، أجدني متهالكةً، منطفئةً وكأنني أعيش شيخوخة الروح في سن الزهور.
هناك تناقض قاتل بين الجسد الذي يتدفق حيوية وبين الروح التي تشعر أنها بلغت أرذل العمر.
أيُّ لعنة هذه التي تجعل الإنسان في ربيعه يشيخ باطنه حتى العظم؟
أنا لستُ غبيّةً، وأعرف أنّ لديّ القدرة على الإنجاز، بل أحيانًا أرى في مخيلتي مشاريع عظيمة، أفكارًا يمكن أن تخلّدني، أفعالًا قد تغيّر مجرى حياتي، لكنّني حين أمدّ يدي إليها، أجدها تتحول إلى دخان يتلاشى.
ما معنى أن ترى قدرتك ثم تعجز عن تفعيلها؟
أليس هذا نوعًا من العذاب يفوق كل عقوبة دنيوية؟
إنّني لست عاجزةً لأنني لا أملك الأمكانيات أو القرص، بل عاجزةً لأنني سجينة ذاتي ومجتمعي ، لأنّ هناك بابًا في داخلي مغلقًا بالمصراع، مفتاحه عند شيطان خفيٍّ يطلّ عليّ من أعماقي .
ولعلّ هذا ما قصده القدماء حين تحدثوا عن “الهاوية”. الهاوية ليست حفرة في الأرض، إنها حفرة في النفس.
أنت تحدق إليها، لا لتسقط فيها، بل لتراها تتسع يومًا بعد يوم حتى تبتلعك من الداخل.
وأنا منذ أن عرفت نفسي وأنا أحدّق في هاويتي الخاصة.
كلّما حاولت أن أبتسم، ذكّرتني أن الابتسام قناع زائف، كلّما حاولت أن أنهض، مدت يديها السوداوان وأمسكت بي إلى أسفل، ومع ذلك ثمة شيء غريب، إنني لا أستطيع التوقف عن النظر إليها، كأنني مأخوذ بسحرها، كأنني أجد فيها صدقي الوحيد، إذ أن العالم من حولي مليء بالأقنعة، لكن هاويتي لا تكذب عليّ أبدًا.
أحيانًا، أشعر أنني أعيش ازدواجية قاسية أمام الناس أنا كائن عادي، أضحك، أتكلم، أشارك في الأحاديث السطحية.
لكن ما لا يراه أحد هو أنني من الداخل كتلة خراب، مدينة أشباح، كلّ مبانيها فارغة، وشوارعها مهجورة.
هناك أنا أسمع الصمت، وأصغي إلى صدى قدمي في الفراغ. لم أعد أميّز، هل أنا من يسكن ذاته، أم أنني محكوم بالعيش كغريب داخلها؟
وماذا عن الطموح؟
أليس هو النار التي تشتعل في صدر الشباب؟
بلى، لكن طموحي أشبه بنار تحت الماء، أراها تتوهج لكن لا تصل إلى الهواء، لا تمنح دفئًا ولا ضوءًا، أريد أن أصرخ بأنني قادر، أستطيع، دعوني أنجز!، لكن الصوت يخونني، يتبدد في داخلي، يعود إليّ كصدى بعيد لا يسمعه سواي.
وهذا الصراع الشيطاني الذي أعيشه، هو صراع ليس مع العالم، بل مع نفسي.
ولعله أصعب صراع يمكن أن يعيشه الإنسان أن يكون خصمك الوحيد هو أنت.
كيف تهزم كائنًا يسكنكَ؟
كيف تحارب وحشًا يعيش في أعماقك ويعرف كل نقاط ضعفك؟
كلما ظننت أنني أمسكت بخناقه، وجدته يبتسم من جديد،كأنما يقول لي أنا أنت، وأنت أنا، إن قتلتني، قتلت نفسك.
كم مرة جلست مع نفسي أعاتبها؟
كم مرة قلت لها…انهضي، توقفي عن هذا العبث، ثمة حياة تنتظرك، لكنها في كل مرة ترد عليّ وماذا ستفعل بالحياة إن حصلت عليها؟ ما جدوى السعي في عالمٍ لا معنى له؟
أنا عالق بين وعيي بسخف الوجود ورغبتي في الاستمرار فيه، كمن يمشي على حبل مشدود فوق هاوية لا قرار لها.
إنني أعيش في مفترق طرقٍ أبديّ، إما أن أستسلم لشيطاني الداخلي وأذبل كما يذبل نبات في الظلّ، أو أن أجرؤ على تحطيم القيود التي صنعتها بنفسي، لكنّ الجرأة ليست سهلة، الجرأة ليست كلمة، إنها قفزة في المجهول، قفزة قد تودي بك إلى الهلاك أو ترفعك إلى حياة أخرى.
أحيانًا، أقول في سرّي، ربما لم أُخلق للإنجاز، ربما خُلقت لأكون شاهدًا على ضياعي، ربما تكون عظمة حياتي ليست في ما أنجزه، بل في صراعي مع نفسي،
أليست أعظم الملاحم تلك التي لا يراها أحد؟
أليس مأساويًّا أن يموت الإنسان دون أن يعرف أحد أنه عاش حربًا أبدية في داخله؟


