في زاويةٍ منسية من هذا العالم الذي ينضحُ بالخيبات، كانت تمضي بخطاها الوئيدة، تلك المرأة التي خُلقت لتكون مرآةً للأوجاع، لا تمتصّها فحسب، بل تسكنها، تتغلغل في دهاليزها، حتى تُغدو الحزن ذاته، لا صورةً له.
كلما اقترب منها كائنٌ مثقلٌ بما لا يُطاق، وأفصح عن وجعه، انفصل عنه الحزن كما ينفصل الدخان عن الحطب، واندلق عليها بكليّته، دون نقصان، كأنما الألم وجد فيها مأوى أزليًا، لا يكلّ من استقباله ولا يتقن الرفض.
كانت عيناها لا تدمعان، بل تنفجران بأسى لا يُروى، وحين تسكن الدروب وتهجع الأصوات، كانت تجثو تحت سقف الليل، تمضغ بكاء الآخرين، وتلوك في داخلها أحزانًا لم تذقها، لكنها عاشتها حتى النخاع.
لم يكن أحد يعلم من أين أتت، ولا لماذا اختارت هذا العذاب المقنّع بالرأفة، كانت إذا نظرتَ في وجهها، قرأتَ سطورًا كُتبت بحبرٍ من شجن، وإذا سمعتَ صوتها، شعرتَ أنه خرج من جوف مقبرة، كانت تمتص الحزن كما تمتص الأرض دمع الغيم، دون أن تحتج، دون أن تسأل، فقط تبتلع، وتغرق، وتمضي.
إنها لم تُولد لتفرح، بل خُلقت لتُخفّف من وطأة هذا العالم على مَن لا يملكون سُبل النجاة.
إن سعادتها الوحيدة كانت أن ترى ابتسامةً تتبرعم على فمٍ أنهكه البكاء، حتى لو كان ثمن ذلك، أن تتصدّع روحها أكثر.


