في السادسِ عشرَ من كانونَ الثاني، لم تكن أفكاري أفكارًا بقدر ما كانت امتدادًا شاسعًا بلا ضفاف، كأنّ العقل قد خرج من حدوده، وراح يحدّق في العالم من علٍ، ببرودةٍ لم أعرفها من قبل.
بدت الدنيا في عينيّ ضئيلةً على نحوٍ موجِع، لا لأنّها تبدّلت، بل لأنّ شيئًا ما انكسر داخلي، وسقط ستارٌ رقيقٌ كان يجمّل المشهد ويُقنعني بأنّ لكلّ هذا صخبًا يستحقّ التصديق.
لم يتغيّر شيء.
الأشياءُ في أماكنها، والوجوهُ في أقنعتها المعتادة، والأدوارُ تُؤدَّى بإتقانٍ مُرهق.
غير أنّ الروح كانت غائبة.
كأنّ الحياة مسرحٌ طال به العهد، حتى نسي الممثّلون لماذا صعدوا الخشبة أصلًا، وباتوا يؤدّون أفعالهم بدافع العادة لا المعنى.
لم يكن حزنًا صريحًا، ولا يأسًا فاضحًا، بل تلك البرودة الوجودية الثقيلة، التي تشبه الوقوف في قاعةٍ فارغة بعد انفضاض جمعٍ صاخب، صدى الضحكات ما زال معلّقًا في الجدران، لكن لا أحد هنا.
فراغٌ ناطق.
صمتٌ يضغط على الصدر أكثر من الضجيج.
وتساءلت، لا باندفاع الغاضب، بل بفتور من أنهكه السؤال.
ما الذي يدفعنا إلى هذا الإصرار العجيب على الحياة، ونحن نعيشها كما لو كانت واجبًا عقابيًّا؟
ننهض لأنّ النهار حلّ، نعمل لأنّ الدور كُتب لنا، نبتسم حين يُطلب منّا أن نبتسم، ونخبّئ في الداخل فجوةً لا يردمها تفسير ولا يُنقذها إنكار.
كنت أرى الناس يمضون مثقلين بأحمالهم الصغيرة، يرفعونها إلى مقام القضايا الكبرى، يتخاصمون على تفاصيل لا تصمد أمام سؤالٍ واحدٍ صادق.. ثمّ ماذا؟
ماذا بعد هذا الركض المحموم، وهذا التعلّق المبالغ فيه بأشياء ستفلت من أيدينا عند أوّل انقطاع؟
وأدركت، إدراكًا باردًا لا يعرف العزاء، أنّ تفاهة الدنيا لا تنبع من فقرها، بل من إسرافنا في منحها قيمةً لا تحتملها، ومن تحميلها وعودًا لم تُخلق للوفاء بها.
قال الله تعالى:﴿وَمَا الحَياةُ الدُّنيا إِلّا لَعِبٌ وَلَهوٌ وَلَلدّارُ الآخِرَةُ خَيرٌ لِلَّذينَ يَتَّقونَ أَفَلا تَعقِلونَ﴾ (الأنعام: 32)
تفسير الآية: وما الحياة الدنيا في غالب أحوالها إلا غرور وباطل، والعمل الصالح للدار الآخرة خير للذين يخشون الله، فيتقون عذابه بطاعته واجتناب معاصيه.
نحن البشر نطلب من الدنيا الخلاص، وهي لم تُخلق إلا للعبور.
نحمّلها معنى الوجود، ثمّ نلومها حين تخذلنا.
كأنّ الإنسان، في غربته العميقة، يبحث عن يقينٍ نهائي في أرضٍ لا تعرف سوى الاحتمال، وعن سكونٍ أبديّ في مكانٍ صيغ ليكون مؤقّتًا.
ومع هذا الإدراك، لم تأتِ الطمأنينة.
جاء صَحوٌ مؤلم.
صحوٌ يجرّد الأشياء من زينتها، وينزع عنها الموسيقى الخلفية التي كانت تُلطّف قسوتها.
ترى الحياة عارية، بلا تبرير، بلا ادّعاء، وتفهم أنّك إمّا أن تخلق معناها بصدق، أو تعترف بعبثها وتمضي، لا استسلامًا، بل تحدّيًا صامتًا لا يطلب تصفيقًا.
لم أحتقر الدنيا، ولم أزهد فيها زهد الواعظين، بل نظرت إليها نظرة من أدرك حدودها أخيرًا.
وحين تفقد الأشياء قدرتها على خداعك، تصبح أقلّ قهرًا، وأكثر صدقًا.
ومن هذا القلق الناضج، من هذا الفهم المتعب، عدتُ إلى موقعي كمسلمة لا تبحث عن مهرب من الدنيا، بل عن ميزانٍ يعيد للأشياء أقدارها العادلة.
فالإسلام لا يدعو إلى كره الحياة ولا إلى الذوبان فيها، بل إلى الوقوف على الحدّ الفاصل بين الغفلة والحرمان.
أن تكون الدنيا في اليد لا في القلب.
أن تمرّ بك لا أن تسكنك.
لأنها ممرٌّ لا مقرّ، واختبارٌ لا غاية، وزادُ مسافرٍ لا كنزُ مقيم.
يعيش الإنسان فيها عامِلًا كأنّه باقٍ، ومتخفّفًا كأنّه راحل، يزرع وهو يعلم أنّ الحصاد ليس هنا.
قال الله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ (القصص: 77)
تفسير الآية: والتمس فيما آتاك اللّٰه من الأموال ثواب الدار الآخرة، بالعمل فيها بطاعة اللّٰه في الدنيا، ولا تترك حظك من الدنيا، بأن تتمتع فيها بالحلال دون إسراف وأحسن إلى الناس بالصدقة.
هذه الآية بمعناها أن تضع اليد على الميزان، لا إفراط ولا تفريط.
وقال سبحانه: ﴿اعلَموا أَنَّمَا الحَياةُ الدُّنيا لَعِبٌ وَلَهوٌ وَزينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَينَكُم وَتَكاثُرٌ فِي الأَموالِ وَالأَولادِ كَمَثَلِ غَيثٍ أَعجَبَ الكُفّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهيجُ فَتَراهُ مُصفَرًّا ثُمَّ يَكونُ حُطامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذابٌ شَديدٌ وَمَغفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضوانٌ وَمَا الحَياةُ الدُّنيا إِلّا مَتاعُ الغُرورِ﴾ (الحديد: 20)
تفسير الآية: اعلموا أيها الناس أنما الحياة الدنيا لعب ولهو، تلعب بها الأبدان وتلهو بها القلوب، وزينة تتزينون بها، وتفاخر بينكم بمتاعها، وتكاثر بالعدد في الأموال والأولاد، مثلها كمثل مطر أعجب الزِّرَّاع نباته، ثم يهيج هذا النبات فييبس، فتراه مصفرًّا بعد خضرته، ثم يكون فتانًا يابسًا متهشمًا، وفي الآخرة عذاب شديد للكفار ومغفرة من اللّٰه ورضوان لأهل الإيمان، وما الحياة الدنيا لمن عمل لها ناسيًا آخرته إلا متاع الغرور.
وقال جلّ وعلا: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (آل عمران: 185)
ليُبيّن أنّ الخطر ليس في المتاع، بل في الاغترار.
وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ (الشورى: 20)
تفسير الآية: من كان يريد بعمله ثواب الآخرة فأدى حقوق اللّٰه وأنفق في الدعوة إلى الدين، نزد له في عمله الحسن، فنضاعف له ثواب الحسنة إلى عشر أمثالها إلى ما شاء اللّٰه من الزيادة، ومن كان يريد بعمله الدنيا وحدها، نؤته منها ما قسمناه له، وليس له في الآخرة شيء من الثواب.
وفيها معنى أن الحياة زرع وعمل، وأن الحصاد الحقيقي مؤجَّلٌ إلى دار الجزاء.
الدنيا جسر تعبره بوعي لا بتعلّق.
تستخدمها، لا تُستَخدم بها.
وتغادرها يومًا، وقد كنت فيها نفساً… لا أسيرًا.



اعجبني اختياركِ لهذا الموضوع المميز
كل كلمه في هذه المقاله لامست قلبي رغم انني لست زاهده في هذه الدنيا واحيانا اسعى لاحقق افضل مافيها من علم وعماره الارض كما اوصانا الله ورسوله
الا انَ الكلام لامس قلبي جدا
أستمري يارائعه🩷
كان مقالا يمثل وعيا يكتب من منطقة ناضجة لا من انفعال لحظي لم تهاجمي الحياة ولم تبرئيها وفككتي علاقة الانسان المشوهة بها وأعدتي وضعها في موضعها الصحيح وسيلة لا غايةوممر لا مقر
اعجبت للغاية ببرودة المقال الواعية في هذا الصحو الذي يقدم حقيقة مجردة اللغة متماسكة والصوت الفكري واضح والدمج بين التأمل الوجودي والتصور الإيماني جاء منسجما بإتقان الآيات قامت بتثبيت الفكرة في صورة جد جميلة شكرا لك و بالتوفيق لكتابات اخرى اكثر تميزا 🤍