أيأذنُ لي شِيار أن أُفضي إليه بما تختلجُ به الروح ؟
أيأذنُ لي شِيار أن أعترفَ له بأنّني أحبُّه حبَّ المُدمنِ لخمرهِ والطفلِ لصباحِ العيد؟
يا شِيار.. يا أكثرَ الأيامِ دلالاً، ويا أجملَها حين تأتي خِلسةً في آخرِ الأسبوع كاللصِّ الجميل، تسرق منّا الهمومَ ولا تُعيدُها..
أنتَ الذي نُعلِقُ عليكَ ما تعجز عن حملِه بقيّةُ الأيام.
في شِيار قلتُ سأكتب، بعد أن أُفرغَ أخيراً من أثقالِ الأسبوع وضوضائه، وحين جاءَ شِيار وافياً بوعده، وجدتُني أقفُ أمام صفحةٍ بيضاء لا فكرةَ تزورني، ولا خاطرةٌ تطرقُ البابَ.
لا أريدُ شيئاً سوى أن أمدَّ جسدي على الفراش، وأن أُعفيَ عقلي من عناءِ التفكير، وأن أُضيِّعَ الوقتَ دون أن يُحاسبني عليه أحد.
نعم، أعلمُ أنَّ الوقتَ أنفسُ من أن يُهدَر، غيرَ أنني لا أجدُ من الأشياءِ ما يستحقُّ أن أملأَهُ بها وأرتفعَ بقدرِه.
ولعلَّ الكتابةَ هي أبهى ما أوقفتُ عنده زماني، أو تلكَ اللعبةُ التي استبدَت بي مؤخراً واستأثرَت بساعاتي.
بيدَ أنني أعجزُ حقَّ العجزِ عن إدراكِ ما يستحقُّ فعلاً أن نُوقِفَ عنده أعمارنا ونُكرِّسَ له أوقاتَنا.
الدراسة؟ كلاّ.
لستُ مِمَّن يكترثُ بها كثيراً، إذ إنَّ التخصُّصَ الذي أنا فيه لا تهفو إليه نفسي، ولا أرى فيه ما يُثري بقيَةَ مسيرتي، فحسبي أن أجتازَ المادَّةَ وأنجوَ منها، دون أن أشغلَ نفسي بالتنافسِ على الدرجات.
وفي داخلي شيءٌ يأبى أن يراه الناسُ بارعاً فيما لا يُطيقه، فلا يُكلِّفُ نفسَهُ عناءَ التظاهر.
ربَما كانَ هذا ضرباً من الحمقِ في نظرِ بعضِهم، غيرَ أنَّهُ صدقٌ لا أُحسنُ الفرارَ منه، وأنا هكذا.. فماذا عساي أفعل؟
شاهدتُ مؤخَّراً مقطعاً لرجلٍ كهلٍ كان يُسدي جملةً من النصائحِ العامَّة، وبينما كنتُ أُصغي أوقفَتني إحدى كلماتِهِ فظلَّت تتجوَّلُ في أعماقي بعد انتهاء المقطع.
كان يقول: أَحِبَّ طبيعةَ تخصُّصِك، سواءٌ أكنتَ طالباً أم عاملاً.
ولِمَ ذلك؟
لأنَّهُ مَصدرُ رزقِك، ولأنَّهُ صَونُ سُمعتِك، ولأنَّهُ وقتُك الذي تُمضي فيه أكثرَ ممَّا تُمضيهِ مع نفسِكَ وذويك.
أثَّرَ فيَّ كلامُهُ من حيثُ إنَّني أُفكِّرُ منذُ حينٍ في أنَّ تخصُّصي وجيهٌ ذو مستقبلٍ رحيب، بيدَ أنَّني لا أجدُ فيه ما يشُدُّ روحي ويستأثرُ باهتمامي.
حاولتُ أن أستكرهَ نفسي على حبِّهِ فأخفقتُ، وراحَ خاطري يجولُ في تساؤلات: هل إن عملتُ فيه غداً أستطيعُ أن أُنجزَ؟ هل أستطيعُ أن أُعطي؟
أعلمُ أنَّ استباقَ الأحداثِ والقفزَ إلى المآلاتِ قبلَ أوانِها ليسَ من سداد الرأي في شيء، غيرَ أنَّ هذا ما كانَ يختلجُ في صدري ويُلازمُ تفكيري منذُ مُدَّة..
وكانت من نصائحِهِ أيضاً أن قال: البلدُ التي تَرزُقُ فيها ليست بالضرورةِ تلكَ التي وُلِدتَ على ترابِها، فالتي وُلِدتَ فيها قد قضَت مرحلتُها وأدَّت أمانتَها، مرحلةُ الطفولةِ والنشأةِ والبراءةِ الأولى، وما سواها فهو للقادم من الأيام.
فإن رحلتَ وشَدَدتَ الرِّحال، فأيُّ بلدٍ احتضنَتكَ وأطعمَتكَ من خيرِها، فهي بلدُك.
لا أتَّفقُ معه تمامَ الاتِّفاقِ في هذه، إذ لا يعلمُ امرؤٌ أين تكمنُ مكامنُ رزقِهِ في هذه الدنيا الفسيحة.
بيدَ أنَّ المنطقَ الذي ينضحُ به كلامُهُ هو: إن بذلتَ الوُسعَ في بلدِكَ وأنفدتَ ما لديكَ من طاقةٍ وإمكانات، وأُغلِقَت في وجهِكَ الأبوابُ ولم تجد سنداً ولا مَخرجاً، فاضرِب في الأرضِ وابتغِ من فضلِ اللهِ في آفاقٍ أخرى.
وأنا مِمَّن يَأنسون كثيراً بسماعِ النصائح من ذوي الأعمار والتجارب، فهم قد خاضوا الحياةَ بطولِها وعرضِها، وشرِبوا من كأسَيها المُرِّ والحلو.
وإن كانَ الواقعُ لا يُتيحُ لي دائماً أن أجلسَ إلى كبارٍ فأسألَهم وأستقيَ من معينِ تجاربِهم، فإنَّ الفرصةَ حين تُسنَحُ لا ينبغي إضاعتُها.
فمن أوتيَ عُمراً وحِكمة، لا يُفيضُ ممَّا في جوفِهِ ابتغاءَ الثناءِ أو تطلُّعاً إلى الافتخار، بل يُعطي لأنَّهُ يودُّ أن يُيسِّرَ عليكَ وُعورةَ الطريق، وأن يُسكِتَ عنكَ تلكَ التساؤلاتِ التي تنهشُ الرأسَ وتُضنيهِ بين الحينِ والحين.
عجباً.. كنتُ في مستهلِّ هذا اليومِ لا أملكُ ما أسطرُه، خاويَة الجعبةِ من الأفكار.
والآنَ، وقد آذنَ شِيار بالرحيل، أجدُني قد أفرغتُ كلَّ ما كانَ يختلجُ في الصدرِ ويُؤرِّقُ البالَ طوالَ الأسبوع.
فأذَن لي، يا شِيار..
أذَن لي أن أُحبَّكَ علنا وأن أعيشَكَ كاملاً غيرَ منقوص، وأن لا أُضيِّعَكَ في ما لا يستحق أن يُضاعَ فيكَ شيء.



إن كتاباتكِ معبّرة جداً.