بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، الذي خلق الخلق لعبادته وأمرهم بطاعته، ووعد أهل الإيمان برحمته وجنته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً تُنير القلوب، وتشرح الصدور، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، خيرُ من عبد الله وأطاعه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإن أعظم ما خُلق الإنسان لأجله، وأجلَّ غايةٍ ينبغي أن يشغل بها عمره، هي عبادة الله جل وعلا، إذ قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]. فهذه الآية العظيمة بيَّنت الغاية التي من أجلها أوجد الله الخلق، فما الدنيا إلا ممر، وما العمر إلا أيام معدودة، وما الإنسان إلا مسافرٌ إلى ربه، فمن أحسن زاده فاز، ومن فرَّط ندم حين لا ينفع الندم.
وليس معنى العبادة أن يعبد العبد ربَّه في أوقاتٍ دون أوقات، أو في مواسم دون مواسم، ثم ينقطع عنها إذا انقضت تلك المواسم، بل العبادة حياةٌ كاملة، واستقامةٌ دائمة، ومجاهدةٌ للنفس حتى يلقى العبد ربَّه وهو عنه راضٍ.
قال تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: 112]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾ [فصلت: 30].
والاستقامة ليست كلمةً تُقال، بل هي صلاةٌ تُحافظ عليها، وقرآنٌ تُلازمه، وذكرٌ لا يغيب عن لسانك، وأمرٌ بالمعروف، واجتنابٌ للمعاصي، ومراقبةٌ لله في السر والعلن.
ومن أعظم ما ينبغي للمسلم أن يحافظ عليه بعد توحيد الله: الصلاة، فإنها عمود الدين، وأول ما يُحاسَب عليه العبد يوم القيامة. قال رسول الله ﷺ: «إن أول ما يحاسب الناس به يوم القيامة من أعمالهم الصلاة». فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت خاب وخسر.
ومع ذلك ترى من المسلمين من يؤخر الصلاة عن وقتها من أجل نوم، أو لهو، أو انشغالٍ بأمور الدنيا، وكأن دقائق الصلاة أثقل عليه من ساعات يقضيها فيما لا ينفعه. مع أن الصلاة لا تستغرق من يوم المسلم إلا دقائق يسيرة، جعلها الله سببًا لطمأنينة القلب، ونور الوجه، وصلاح الحال.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: 103].
ثم تأمل حال كثيرٍ من الناس مع كتاب الله، الذي أنزله هدى ورحمةً وشفاءً لما في الصدور، فلا يكاد بعضهم يفتحه إلا في شهر رمضان، فإذا انقضى رمضان، عاد المصحف إلى مكانه حتى يأتي رمضان الآخر. ومنهم من لا يقرأ منه إلا سورة الكهف يوم الجمعة، وكأن القرآن قد أُنزل ليُقرأ في يومٍ واحدٍ من الأسبوع، أو في شهرٍ واحدٍ من السنة.
وهذا من أعظم الحرمان؛ فإن القرآن غذاء الأرواح، وحياة القلوب، ومن هجره فقد حرم نفسه خيرًا كثيرًا.
قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9]، وقال سبحانه: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: 4].
وقال النبي ﷺ: «اقرؤوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه».
فليكن لكل واحدٍ منا وِردٌ يومي، ولو صفحاتٍ يسيرة، فإن القليل الدائم أحب إلى الله من الكثير المنقطع، وقد قال النبي ﷺ: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل».
وكذلك شأن الذكر؛ فإن كثيرًا من الناس يظنه أمرًا زائدًا يمكن الاستغناء عنه، مع أن الذكر من أيسر العبادات وأعظمها أجرًا. فما أسهل أن يسبح الإنسان، ويحمد الله، ويكبره، ويهلله، ويستغفره، وهو يمشي، أو يقود سيارته، أو ينتظر موعدًا، أو يجلس في بيته.
وقد قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: 41-42].
ومن أجلِّ ما ينبغي المحافظة عليه: الباقيات الصالحات، التي قال الله فيها: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف: 46]. وقد فسرها جماعة من أهل العلم بأنها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وجاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: «استكثروا من الباقيات الصالحات»، قالوا: وما هن يا رسول الله؟ قال: «التكبير، والتهليل، والتسبيح، والتحميد، ولا حول ولا قوة إلا بالله».
فهذه الكلمات لا تحتاج إلى مال، ولا إلى جهد، ولا إلى فراغ طويل، وإنما تحتاج إلى قلبٍ حاضر ولسانٍ ذاكر. فلا تستخسر على نفسك دقائق يسيرة تملأ بها صحيفتك حسنات، فكم نُضيع من الساعات فيما لا يعود علينا بنفع، ثم نستثقل دقائق نذكر فيها ربنا!
إن يوم الإنسان أربعٌ وعشرون ساعة، ولن يعجز أن يجعل منها دقائق للصلاة في وقتها، ودقائق لقراءة القرآن، ودقائق يلهج فيها لسانه بذكر الله. ولو تأمل المرء مقدار ما يقضيه في تصفح هاتفه، أو متابعة ما لا ينفعه، لعلم أن التقصير ليس لضيق الوقت، وإنما لغفلة القلب.
ولنتذكر دائمًا أن هذه الدنيا ليست دار إقامة، وإنما هي دار ابتلاء وامتحان، وأن العمر مهما طال فهو قصير، وأن الموت يأتي بغتة، ثم يُغلق باب العمل، ولا يبقى للعبد إلا ما قدَّم.
قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: 185]، وقال سبحانه: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾[العنكبوت: 64]، أي: الحياة الحقيقية الدائمة.
فما أعجب حال من يبذل كل جهده في سبيل سنوات معدودة يعيشها في الدنيا، ثم يقصر في عملٍ ينال به نعيمًا لا ينقطع، أو ينجو به من عذابٍ لا يُطاق!
وإن من حق الإسلام علينا أن نعطيه مكانته في حياتنا، فهو ليس شعارًا ننتسب إليه، بل دينٌ نعيش به، ونعبد الله على هديه، ونعمر أيامنا بطاعته. ومن حق أنفسنا علينا أن نغذيها بالإيمان، فإن القلوب تجوع كما تجوع الأبدان، ولا يشبعها إلا ذكر الله، ولا يطمئنها إلا القرآن، ولا يصلحها إلا دوام الطاعة.
قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28].
وفي الختام؛ فهذه نصيحةٌ أوجهها إلى نفسي أولًا، ثم إلى كل مسلم يقرأ هذه الكلمات: حافظوا على الصلاة في أوقاتها، واجعلوا لأنفسكم وِردًا لا ينقطع من كتاب الله، وأكثروا من الباقيات الصالحات، ولا تجعلوا الذكر موسميًّا، ولا القرآن ضيفًا لا يزوركم إلا في رمضان، فإن الله لم يأمرنا بعبادته في شهرٍ دون شهر، ولا في يومٍ دون يوم، وإنما قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: 99].
نسأل الله تعالى أن يجعلنا من الذاكرين الشاكرين، وأن يرزقنا لذة الإيمان، وحسن الاستقامة، والثبات على الحق حتى نلقاه، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.



الله يجزاكِ ألف خير 🌷🤍
سُلمت أناملك، الله يعطيك العافية ويجازيك خير الجزاء.