هل أنا
غامضة؟
أم أنّني بوجهين؟
كلا.
إنّني أشعر أنّني أكثر من ذلك بكثير.
إنني كيان يتفتّت في المرايا
كومة من الوجوه التي لا تستقرّ أبدًا في ملامح واحدة.
يقولون إنّ للإنسان ثلاثة وجوه…وجهًا لنفسه، وجهًا لعائلته، ووجهًا لأصدقائه.
وأنا أقول.. للإنسان أكثر من ذلك، له وجوه بعدد ما يختبئ من أسئلة، بعدد ما يخبئ من وجع.
لكن أيُّ وهمٍ هذا؟
أيُّ بساطة ساذجة تحاول أن تُلخّص مأساة الروح البشرية في ثلاث صور متوازنة.
ماذا لو لم يكن لي “وجهٌ” أصلًا، بل محض أقنعة متراكمة تتساقط عند أول ارتعاشة للوعي؟
لقد عشتُ ما يكفي لأرى أن الإنسان ليس بثلاثة وجوه بل هو مسرح مكتظّ بوجوه لا تُحصى، كلّ وجهٍ يولد في لحظة خوفٍ أو رغبة، وكلّ وجهٍ يموت حالما يواجه نور الحقيقة.
حتى مع نفسي، لا أملك وجهًا ثابتًا.
إنني أستيقظ بملامح تختلف عن تلك التي أنام بها وأفكاري تخونني كما لو أنّها ليست أفكاري، في لحظةٍ واحدة أبدو صادقةً حتى العظم وفي اللحظة التالية أنقلبُ على نفسي كأني دجّال لا يجيد سِوى الكذب.
إنني متعددة الوجوه حتى مع نفسي.
أجلس مع ذاتي فأجدني غريبةً عني.
أمام العائلة أرتدي قناعًا أثقل من وزني، قناع الابنة أو الأخت أو الحامي، فأختنق به وأتظاهر أنّه جلدي الطبيعي.
وأمام الأصدقاء أختلق شخصية أخرى، أقلّ وطأة، أكثر خفّة، لكنها في النهاية لا تقلّ زيفًا.
أما حين أنفرد بنفسي، فهنا يبدأ الجحيم، أكتشف أنّني لستُ نفسي أيضًا، أرى في أعماقي شخصًا لا أعرفه، آخر يحدّق بي ببرودٍ وسخرية، وثالث يتثاءب في الظل وكأنّه لا يخصّني، كلّما حاولت أن أقبض على أناي، أفلتت من يدي وتحوّلت إلى طيفٍ آخر.
ربما لستُ غامضًا كما يظنّون، بل فارغًا تمامًا.
إنّ الغموض يُوحي بوجود سرّ، أمّا أنا فلا أملك سوى ارتباك متواصل وفوضى وجوهٍ تتناحر في داخلي.
إنني مثل غرفة مظلمة مليئة بالمرايا المشروخة، كلّ واحدة تعكس شيئًا مختلفًا، وكلّها في النهاية بلا جدوى.
أنا الهروب المستمر من ذاتي نحو ذاتٍ أخرى أشدّ تشوّهًا.
ربما كان الإنسان يحتاج وجهًا واحدًا ليعيش، لكنني وُلدتُ بألف وجهٍ، ولا أستطيع أن أتنفّس من خلال أيٍّ منها.
إذاً الوجوه ليست ثلاثة بل جحافلٌ متقاتلة.
وكلّ واحدٍ منها يزعم أنّه الوجه الحقيقي.
لكن أيّ وجهٍ هو الحقيقي؟
وأيّهم مجرّد زيف؟
ربما الحقيقة أن لا وجه لنا أصلًا، وأننا مجرد انعكاسات متكسّرة على مرايا الآخرين.



نص يرتعش