فلقد لهفتُ إلى الحياة، اشتقتُ إليها اشتياقَ روحٍ طال بها المنفى.
دعني أفيضُ من القيودِ كما يفيضُ الفجرُ من خاصرةِ الليل، وأخلعُ عن كتفيَّ هذا العمرَ الذي أثقلتهُ الهزائم، فما عادت روحي تطيقُ أن تكونَ ظلًّا لجسدٍ يسير ولا أن تُقيمَ في منفىً تُسمِّيه الأيامُ حياة.
املأني بما ادَّخرتهُ الحياةُ لي في غيبها، بدهشةٍ تُشرقُ في أعماقي كما يشرقُ الفجرُ في بحرٍ ساكن، وبرحيقٍ لا تنضب عذوبتُهُ في القلب، حتى أستردَّ وجهي الذي غيَّبتهُ المواسمُ الكالحة.
اسقني من شهدِ الدنيا ما يُبدِّدُ مرارةَ أيامي، وازرع في أعماقي حدائقَ لا تعرفُ الذبول، ونورًا لا تبلغُه العتمة.
لقد لهفتُ إلى الحياة كما تلهفُ الأرضُ اليابسةُ إلى أولِ المطر، واشتقتُ إلى العيشِ اشتياقَ نافذةٍ حُرمت دهرًا من مرورِ الشمس.
منذ أعوامٍ لم أكن أعيش، كنتُ مجردَ نبضٍ يؤجِّلُ انطفاءَه، وجسدٍ يُتمُّ طقوسَ البقاء، وروحٍ تُعدُّ الليالي
دون أن تمسَّ صباحًا واحدًا.
ما أثقلَ الإنسانَ حين يجعلُ قلبَهُ مأوىً للخسارات ويُهدي نفسَهُ إلى البؤسِ قربانًا.
حتى يُقيمَ في العتمةِ إقامةَ من نسيَ أن للضوءِ طريقًا إليه، ويورِّثَ قلبَهُ أبجديةَ الكآبة.
أما آنَ لهذا الرمادِ أن يتناثر ولهذا السوادِ أن يُسقطَ عرشهُ عن العين، ولهذا القلبِ أن يتذكَّر أنه خُلقَ ليخفق، لا ليُحصي انكساراته.
دعِ البؤسَ يتوارى بعيدًا، وهلمَّ نرجعُ إلى الحياةِ، إلى عذوبتِها التي طالما حُرِمناها، فإنَّ الإنسانَ مولعٌ بما مُنع، وقد كنتُ طويلًا من المحرومين من نعمةِ العيش.
فلا تُساكنِ الأسى، ولا تُورث قلبكَ عتمتَه، بل امنح نفسك شيئًا من السرور، ولو لم يهبكَ العالمُ سببًا واحدًا.
عِش ببساطة، كما تعيشُ الطيورُ في سماءَها؛ لا تبحث لكلِّ ابتسامةٍ عن علَّة، ولا لكلِّ فرحٍ عن مبرِّر.
ازرعِ البهجةَ في قلبكَ لأنها تُبهج، وافرح لأن روحكَ خُلقت لتزهر، لا لأن الظروفَ سمحت لها بذلك.
فالفرحُ لا يستأذنُ الأسباب، ولا يولدُ منها؛ وإنما يُولدُ حين يؤمنُ القلبُ أن الحياةَ تستحقُّ أن تُعاش.
أمَّا انتظارُ الذرائعِ كي نبتسم، فما كان إلا أولَ درجاتِ السقوطِ في قاعِ البأساء.
سأفرحُ لأنني أتنفَّس، وأبتسمُ لأن السماءَ ما زالت تتَّسعُ لحلمي، وأمضي لأن الخطوةَ الواحدة قد تُنقذُ عمرًا بأكمله.
دعني أُحلِّقُ فرحًا، وألقِ عن روحكَ أثقالَ الحزن، أيُّها الإنسان.
إنَّ الإيمانَ بأنَّ للفرحِ عِلَّةً لا يجيءُ إلا بها، هو ما ساقَ أرواحَنا إلى أقصى البؤس.
فدعني أُحلِّق… أُحلِّقُ خفيفًا كما لو أنَّ السماءَ كانت موعدي منذ البدء، وأدعُ وراء ظهري هذا السوادَ الذي طالما أثقلَ جناحي.
وما من يومٍ يُهدى إلينا إلا ويستحقُّ أن يُعاشَ بقلبٍ مطمئن، فعِش يومكَ كأنَّه الهديةُ الأخيرة، واخرج من كلِّ ما صادرَ منك نعمةَ الحياة، فإنَّ الروحَ لا خُلقت لتقيمَ في السجون، بل لتتَّسعَ بقدرِ السماء.
انظر إلى السماءِ وارفع يديكَ إليها؛ فلعلَّ روحكَ تتعلَّمُ أخيرًا كيف تُحلِّق، وكيف تتخفَّفُ من هذا السوادِ الذي لبثَ أعوامًا يُثقلُ أجنحتها.
ثم أخبرِ السماءَ، بصوتٍ لم تُدنِّسهُ الهزائم، أنَّكَ حرٌّ أخيرًا، وأنَّ البؤسَ لم يعد يعرفُ إليكَ سبيلًا.
كن حرًّا كطائرٍ لا يحملُ غيرَ الريحِ وطنًا، ينهضُ مع الفجرِ، ويجوبُ اتساعَ السماءِ بقلبٍ لا تُرهبُهُ العواصف، ولا تُغريهِ الظلماتُ بالإقامةِ فيها.
أوقدِ النورَ في أعماقِكَ حتى يفيضَ على ملامحِكَ، واجعل الضياءَ مسكنَ روحِكَ، وأعرض عن العتمة؛ فما خُلقتَ لتكونَ ابنَ البؤس، بل وريثًا لهذا الاتساع.
ودعني أعيشُ حرًّا؛ فما خُلقتُ لأُقيمَ في منازلِ البؤساء، ولا لأورِّثَ قلبي إرثَ العتمة.
بل خُلقتُ لأطير، ولأبلغَ سماءً لا تُدركُها الأعين، ولأجعلَ من الأفقِ وطنًا، ومن النورِ رفيقًا.
فدعني أُحلِّقُ حتى أعانقَ عنانَ السماء، وأمضي خفيفًا كما لو أنَّ الأرضَ لم تعرف قدميَّ يومًا.
دعني أتبِعُ الضوء، فإنَّ روحي لطالما خاصمتِ الظلام وأبت أن تتَّخذهُ مأوًى.
دعني أرى النورَ وأذوبَ فيه؛ فقد أمضيتُ أعوامًا طويلةً أسيرًا لعتمةٍ كانت تُطفئُ فيَّ كلَّ رغبةٍ بالحياة.
بائسًا كنتُ، فدعني أعيشُ أخيرًا.
دعِ النورَ يعبرُ إلى أعماقي، ويكسرُ أبوابَ هذا السجنِ القديم، ويُعتقُ روحي من هوَّةٍ لم تكن تُبقيني حيًّا إلا على صورةِ جسدٍ يتنفَّس، أمَّا القلبُ فكان غائبًا، والروحُ بعيدةً عن كلِّ ما يجعلُ للحياةِ مذاقًا.
لا أريدُ اليومَ سوى أن تُحلِّقَ روحي، وأن تبلغَ عنانَ السماءِ من فرطِ امتلائها بالحياة.
كم طالَ توقُ نفسي إلى النورِ بعد أعوامٍ أقامَتها في الظلماءِ، وكم ظمئت روحي إلى العيش؛ إلى أن تعيشَ فحسب، دون أن تُثقلَها الخساراتُ أو تُقيِّدَها الأوجاع.
سأطيرُ حتى أُلامسَ النجوم، لا لأقطفَها، بل لأشهدَ أنَّ الأحلامَ خُلقت لتُدرَك.
وسأطيرُ حتى أصيرَ يومًا نورًا يُهتدى به، كما تهتدي السماءُ بنجومِها.
سأطير… فقد أصبحتُ حرًّا أخيرًا.



هل اتكلم عن إبداعك في الموضوع او في جمال لغتك عربية و اتساعها او معانيك الرائعة
اظن ان وراء هذه اسطر عقلا و روحا جميلة جدا
انها رائعة
أدهشتني.