أكتب وأنا مستلقية، لا لأنّ الاستلقاء يمنحني راحة، بل لأنّ الوقوف بات يتطلّب جهدًا لا أملكه وكأنّ الجسد هو الآخر سئم حمل هذا الوعي الثقيل.
أكتب بعد أن عبث بي فكري طويلًا، عبثًا يشبه التفتيش كأنّ شيئًا ما يُقلب داخلي بحثًا عن سببٍ صالح للبقاء، وحين لم يجد، تسلّلت إليّ الفكرة بهدوءٍ مخيف أنني ضقتُ ذرعًا بهذا الوجود.
ليس ضيقًا حادًا، ولا لحظة يأسٍ طارئة، بل شعورٌ مزمن، كغرفةٍ أُغلقت منذ زمن ولا أحد يتذكّر أين ضاعت مفاتيحها.
يأزمني هذا الوجود، لا لأنه قاسٍ فحسب، بل لأنه فارغ على نحوٍ لا يُحتمل.
لا ضيقًا عابرًا، ولا مللًا مؤقتًا، بل ذلك الضيق الذي يتشكّل ببطء حتى يصبح هو الهواء ذاته.
للفراغ طعمٌ مرّ، مرارةٌ لا تُحتمل.
أمّا هذا الفراغ، فيجلس داخلك بلا استئذان، بلا حدثٍ يبرّره وكأنّ وجوده هو حجّته الوحيدة.
أشعر أحيانًا أنّني أعيش خارج الحدث، خارج المعنى، أراقب الحياة كما تُراقَب مسرحية طويلة فقد ممثلوها شغفهم، لكنهم يواصلون الأداء لأنّ الستار لم يُسدل بعد.
كلّ شيء يتحرّك، نعم، لكن الحركة وحدها لا تعني الحياة.
أتذكّر دوستويفسكي.
في روايته "المزدوج"، التي قد بدأت في قراءتها اليوم ، حين سأل الدكتور كريستيان إيفانوفيتش السيّد ياكوف بتروفيتش غوليادكين: "أخبرني، من فضلك، أين تسكن حاليًا؟"
أين أسكن حاليًا يا كريستيان إيفانوفيتش؟-
نعم، أقصد أنّك من قبل كنت تعيش على ما يبدو لي…-
نعم، كنت أعيش يا كريستيان، كنت أعيش، ومن قبل أيضًا كنت أعيش، فلا بدّ للإنسان من أن يعيش.
جوابٌ عبثيّ بحق.
ليس لأنه غير صحيح، بل لأنه صحيح إلى حدٍّ مفرغ من المعنى، وكأنّ الحياة تُختزل إلى فعلٍ آليّ، إلى ضرورة بيولوجية لا أكثر، نعيش لأننا وُضعنا هنا، لا لأنّ لدينا سببًا واضحًا.
كنت أفكّر في ذلك وأنا أقرأ.
كيف يمكن لجملةٍ واحدة أن تكشف هذا القدر من العجز؟
ليس عجز اللغة، بل عجز الإنسان عن تفسير وجوده دون أن يتحوّل إلى موظف يوقّع على حضوره اليومي في الحياة.
وطوال قراءتي للرواية، كان السيّد غوليادكين يبدو لي غريبًا، لا لأنه شاذّ، بل لأنه مكشوف.
غريب في فهمه لذاته، في طريقته في التفكير، في نظرته للناس، وفي ارتباكه الصادق أمامهم.
كأنّه لم يتعلّم القواعد غير المكتوبة للنفاق الاجتماعي، تلك التي تجعلنا نبتسم في غير موضع ابتسام، ونوافق على ما لا نفهمه، فقط كي لا نبدو مختلفين.
في ردود أفعاله أرى صدقًا فاضحًا، صدقًا غير مهذّب، لا يملك اللباقة اللازمة ليُقبل.
وللوهلة الأولى قد تظنه مجرّد مجنون، أو مريض يحتاج إلى تشخيصٍ عاجل، لكنني حين أنظر أعمق لا أرى مرضًا بقدر ما أرى رفضًا.
رفضًا لأن يكذب على نفسه.
وربما هذا هو الجنون الحقيقي في زمنٍ بات فيه الجميع ينافقون حتى أفكارهم، حتى شكوكهم، حتى آلامهم.
أفكّر ماذا لو كان غوليادكين هو الإنسان الوحيد السليم في عالمٍ مختلّ؟
وماذا لو كنّا نحن المرضى لأننا تعلّمنا كيف نتعايش مع عبث لا نفهمه، دون أن نجرؤ على تسميته؟
يأزمني هذا الوجود.
لا يجرحني، لا يقتلني، بل يضغط عليّ ببطءٍ متواصل، كغرفةٍ تضيق دون أن تتحرّك جدرانها.
أستيقظ فيه، أتحرّك داخله، وأؤدّي ما يُنتظر مني، لكن شيئًا ما يبقى ناقصًا، أو فائضًا، لا أدري.
ربما المعنى نفسه هو ما غاب، أو ربما لم يكن موجودًا أصلًا، ونحن من اختلقناه كي نحتمل البقاء.
أكتب، لا لأنّ الكتابة حلّ، بل لأنها الشاهد الوحيد على أنّني ما زلت أشعر، وأنّ هذا الضيق على قسوته هو الدليل الأخير على أنّني لم أتحوّل بعد إلى كائنٍ يعيش فقط…
لأنه لا بدّ للإنسان من أن يعيش.



حبيتتتت ابداععع
اذا كان لابد أن نعيش.. اذا الرقص مع الحياة و ايقاعها هو الحل.. حتى لا تضيق الجدران و يعم الصمت.. 🎭